فلسطينيو العراق .. محنة الشتات ومظلمة مفوضية التوطين – مريم العلي

فلسطينيو العراق0

عدد القراء 635

المتتبع لسير الاحداث وما ألت اليه رحلات العذاب لفلسطينيو العراق والتي لم يسلط الاعلام عليها ولم ينصفها سيتيقن تلك المظالم من خلال عرقلة اعادة توطينهم لدول التوطين او ما يسمى بالدمج ببلد ثالث والذين تجاوزت عذاباتهم للبلد الرابع بل الخامس دون انصافهم بحلول اسوة كباقي اللاجئين في العالم وها هي المحطات تتوالى محطة إثر أخرى وقطار العمر كالسهم المنسلط يجري على القضبان إلى أين ؟ لا أحد يدري فكل ما يدريه أنه يدور ويدور ولا يزال يراوح مكانه لأنه لا يملك من أمره شيئا .

إلى متى ؟ لا علم له هل سينتهي به الأمر هكذا ؟ سؤال يولد آخر وسؤال يولد أسئلة وهو لا يملك له إجابة واضحة عن أيٍ منها. فمضت سنين طويلة على الوجود الفلسطيني لاهل العراق وسوريا ومصر في دول الشتات في كل من تركيا واندونيسيا وماليزيا والهند وتايلاند التي يقبع خلف القبضان .. املين بتوطينهم ببلد امن .. عوائل باكملها اطفال ونساء ومسنين وشباب واصبحوا مطارديين كالمجرمين دون جريمة سوى لانهم فلسطينيون امام صمت للسلطة الفلسطينيية والعالم ومنظمات المجتمع المدني والامم المتحدة والاعلام وكانها جريمة اتفق عليها لقتل وتدمير شعب كامل عاجز عن الدفاع عن نفسه لانهم لا يتوسلون ولا يعرفون الشكوى فذلك هو أسلوب العاجز الضعيف أما القوي الذي يجد من يقف معه فالأمل هو حاديه وقائده الذي ينشد فيردد الأبيات التي تبعث في النفس الأمل :
لا أعرف الشكوى الذليلة والبكا * وضراعة الأطفال والضعفاء
ولا ألمح الظل الكئيبة ولا أرى * ما في قرار الهوة السوداء
لكنه برغم تتابع السنوات وتواليها المتسارع إلا أنه لم يزل الفلسطيني يحلم بالعودة إلى تلك القمة التي هبط منها قبل سنوات خلت لا يعلم لها عددا ولكن الحلم وحده لا يكفي إذ لا بد من الإرادة والإرادة لا تكفي إن لم تكن قوية لأن الحياة الحرة ليست للضعفاء وإنما للأقوياء فلم تملك الحياة أن تمنعهم من الفوز بما انتزعوه منهم غلابا ولم يستجدوها ويستعطفونها كالأطفال والضعفاء فاستسلموا لهم وانقادوا لسلاسلهم لأن شعبنا لم يعرف الاستسلام والركون للضعف طوال حياتهم :
من يهن يسهل الهوان عليه * وما لجرح بميت إيلام
فالحياة لا تنقاد بغير القوة والقوة هنا ليست قوة الجسد فكثير من الكائنات تملك من القوة أضعاف ما يملك الإنسان ولكنه يسيطر عليها وطوعها كيف يريد . ما المقصود بالقوة إذاً ؟ المقصود بالقوة هنا قوة العزيمة والإصرار وقوة الإرادة التي لا تلين ولا تعرف الهزيمة مهما توالت أو تتالت الهزائم إذ لا بد للإنسان من أن ينهض من كبوته فلكل فارس هفوة ولكل جواد كبوة فلا بد للتحرك لفلسطينييو العراق الذين يملكون ما يبرر اعادة توطينهم لبلد ثالث متميزين عن كل اللاجئين بالعالم بما فيهم فلسطينيو سوريا ولبنان ومصر بعد ان تم اغلاق كل سبل الحلول بوجههم فالعراق الذي ولدوا فيه يرفض اعادتهم اليه وذالك بعد الغاء قرار 202 الذي ينص بمعاملة الفلسطيني معاملة العراقي والذي جرده من كافة حقوقه التي تكفلت بها كل "توصيات وقرارات الامم المتحدة والاعراف الانسانية".
فاصبح الفلسطيني في العراق هو الأسوأ من العراقي والعربي والاجنبي المقيم في العراق بل الأسوأ من العمالة المستوردة من الهند والبنغال في شوارع بغداد والمحافظات ومن المعلوم بان الحكومة العراقية متمثلة بوزارة الدفاع هي من سحبت فلسطينيو العراق من قراهم وجلبتهم الى العراق وامتنع العراق من التوقيع على اي اتفاقيات دولية اممية بخصوصهم تحت مفهوم نحن من يرعاهم ويعطيهم حقوق كالعراقيين فتم اخراجهم من وكالة الاونروا والمفوضية وذلك عام 1952 م.
الا انه تم التخلي عنهم بالكامل بل اصبحو مطاردين خارجين عن القانون محاربين بكل شيء بما فيها تجفيف سبل الرزق لهم ذلك بمرحلة ما بعد 2003م ليومنا هذا مما اجبر الكثير منهم للخروج قسرا لا طوعا للنجاة هو وعائلته مما يعانيه .. ومنهم من فقد بيوتهم واموالهم ومحلاتهم ومعاملهم وشركاتهم وغيرها والتي تقدر بـ400 مليون دولار امريكي دون الضرر المعنوي والنفسي الذي لحق بهم جراء ذلك اليوم وبعد أن أصبحت بعيداً عن وطني عرفت معنى الحرمان عرفت معنى أن تكون إنساناً بلا عنوان.
اليوم رأيت الأغراب يسيرون في الطرقات وهم يحلمون يوماً أن يعودوا إلى وطنهم حتى و إن كان بلا حياة. عرفت اليوم الذي يكافح ويصرخ عبر القنوات .. أريد حقي أن أعود إلى الوطن.. عرفت مدى الحزن و الألم عرفت اليوم فقط معنى أن تكون إنساناً بلا وطن.نعم تلك صرخات غير مسموعة يرددها فلسطينيو العراق بقلوبهم لا فقط بالسنتهم نتيجة ما تعرضوا له من قهر وظلم وجور نفذته ادوات الماسونية العالمية عبر ادواتها وعملائها لتدمير كل من هو فلسطيني متمثل ذلك بمقولة المقبورة كولد مائيير عندما قالت من لحظات السيئة لحياتي ولادة اطفال فلسطينييون فلها دلالاتها بذلك ومعروف بان الكيان الصهيوني رفض "قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة" وخاصة قرار 194 الداعي لحق العودة لكل قراهم ومدنهم لكل اللاجئين الفلسطينيين في العالم واقرت واعترفت فقط بحق عودة اللاجئين الذين تم اخراجهم قسرا بالهدنة الثانية وفقط لمن هو ولد هناك وهي كل من قرى عين غزال وجبع واجزم واربع قرى اخرى ولم تتقبل منظمة التحرير الفلسطينية ذلك القرار لانه سيلغي حق العودة لمئات القرى والمدن الفلسطينية ولكن ذلك لا يمنع اللاجئين الفلسطينيين دون منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية من اثارة ذلك ابتعادا عن الشق السياسي لها واقرار لحقهم نتيجة غياب اي حلول لهم امام ما يسمى شعار الانسانية التي "تتغنى" بها الدول الكبرى و"الامم المتحدة" ومؤسساتها من اعادتهم لقراهم في فلسطين السليبة لاولاد واحفاد من هم من مسقط رأس تلك القرى من خلال مفاتحة مفوضية الامم لاعادة التوطين مع الكيان الصهيوني الغاصب والضغط عليه لقبولهم في حيفا وقراها.
ربما هذا الكلام يبدو غريبا للبعض ولكنه هو احد وسائل الضغط هو واعلاه على المفوضية اللاجئن للتعامل مع ملفاتهم بجدية وعدم الرضوخ لروح الاستسلام والإذعان لاقوالهم الكاذبة بعدم وجود دول وعندما تحاججوهم بالسوريين والعراقيين وغيرهم يتحججون بان دول لا تقبل الفلسطينيين علما بان الوجود الفلسطيني في دول التوطين لم تسجل عليهم اي اشارات سواء كانت "ارهاب" او جنايات او جنح فسجلاتهم نظيفة قياسا ببقية اللاجئين الاخرين وهم اللاجئين الوحيدين الذين لا يملكون وطن ولا هوية.
أيها العالم إن الغريب له الحق أن يعود إلى الوطن فمن ينكر هذا الحق هو إنسان يقتل "أخيه الإنسان" في صمت لن تعرفوا مدى الشوق بداخل كل غريب و لاجئ إلا عندما تفقدوا الوطن.إن الوطن بالنسبة لنا هو الحياة و الذكريات هو الأهل و الأحباب هو كل شيء هو العنوان و الهوية هو الدين و القضية فعندما يضيع الوطن يضيع كل شيء يضيع الحب و تضيع الحياة . نعم إن من أخطر قضايا إنتهاك "حقوق الإنسان" هو أن تسلب من الإنسان حق العودة إلى الوطن أن تسلب منه الحياة وتظن انك تمنحه الحياة.نعم أنها اخطر القضايا و على العالم أجمع أن يجتمع ليمنح حق العودة لجميع اللاجئين، فليس من العدل أن تمنحهم وطناً بديلاً ولكن من العدل أن تضمن لهم الحياة في أوطانهم.
هكذا حال شعبنا في تايلاند اليوم صرت يتيماً بالرغم من وجود الأحباب، و اليوم صرت وحيداً بالرغم من وجود الأصدقاء. صرنا نشاطر أحلاماً عبر الهاتف و نسينا أن الهاتف لا ينقل الأشواق كم أحمل مشاعر فياضة حجبت خلف سدود الغربة وكم أحمل دموعاً منهارة أجهضتها وحشة الوحدة. والذي مضى على وجودهم اكثر من عشر سنوات متتالية دون النظر بملفاتهم سوى وعود كاذبة وهم مطاردون غير امنين وفقا لقوانين ذلك البلد والذي يفترض من المفوضية ان تولي لهم اهتمام اكثر من اي لاجئين في العالم لعدم وجود اي خيارات لهم حتى لوطن يوما ولدوا وترعرعوا فيه فالكل اليوم ينكرهم وما على شعبنا في الشتات الا التكاتف والتضامن بينهم ولا مكان للانانية والتفرد والتسلط بعضهم على بعض ولا مكان لاشخاص تاخدهم الغرور بانفسهم لرسم مملكة وجمهورية وجماهير وشعب متمثلة بشخصه دون الاستعانة برأي هذا وذاك والانصات لمن معهم من معرفة للوصول للحلول التي تعيد حقوق شعبنا ولا مكان لليأس بقلوبنا فاليأس هو العدو الأوحد الذي يقتل الطموح ويميت في النفس حب الحياة ويطفئ نور الأمل الذي ينبعث في القلب متوهجاً كالنار المشتعلة فعليك أن تستضيء بنورها ولا تحترق بلهيبها العظمةُ لجميع الأوطانِ التي تحدثتْ بلغة الحبِ والكره بلغة الفرحِ والحزنِ، بلغة الحياةِ والموتِ بلغة الأملِ في العودة للوطن والألم لفراقه.

 

بقلم : د. مريم العلي

10/4/1441
7/12/2019

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+