صحيفة "القدس العربي" : إجراءات حكومة بغداد والأمم المتحدة تفاقم معاناة فلسطينيي العراق

"القدس العربي"0

عدد القراء 260

مصطفى العبيدي

بغداد-“القدس العربي”: إضافة إلى المشاكل والأزمات التي تخيم على العراقيين جميعا في السنوات الأخيرة، إلا أن الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ عشرات السنين، يواجهون الآن مشاكل جديدة ضاعفت من معاناتهم، جراء قرارات مفوضية اللاجئين قطع المساعدات عنهم وتركهم وحيدين في مواجهة ظروف معيشية معقدة.

وإذا كانت الغربة والتشرد من الوطن المحتل تكفي وحدها لتشكل معاناة قاسية بكل المقاييس، فإن الفلسطينيين المقيمين في العراق، يتحملون ظروفا ومشاكل أكثر صعوبة مما يواجهها أهل البلد، وقد كانت أخف وطأة خلال الحكومات السابقة، إلا أنها تفاقمت في النظام الحالي منذ 2003.
وفي ضربة موجعة للفلسطينيين المقيمين في العراق، أصدرت ممثلية "الأمم المتحدة" ومفوضية اللاجئين في البلاد مؤخرا، تعليمات جديدة تقضي بقطع الرعاية المحدودة عن اللاجئين الفلسطينيين، ما تسبب في تعميق معاناتهم الإنسانية في هذا البلد المضطرب.
ويذكر أن القرارات السابقة التي أصدرتها الحكومات العراقية، قبل عام 2003 نصت على معاملة الفلسطيني كالعراقي في جميع الامتيازات وحقوق المواطنة باستثناء حصوله على الجنسية العراقية وأداء الخدمة العسكرية، ويشمل ذلك منحه الحق في التوظيف والعمل في مؤسسات الدولة، كما يتمتع الفلسطيني بحق التعليم والصحة والتقاعد والبطاقة الغذائية الشهرية والسكن المجاني والإعفاء الضريبي والحصول على القروض المصرفية، إضافة إلى إصدار وثائق سفر تمكنه من السفر خارج العراق.
وكان عدد الفلسطينيين في العراق قبل عام 2003 نحو 40 ألفا، إلا أن العدد انخفض حاليا ليصل إلى نحو 3500 عائلة، نتيجة اضطرار غالبيتهم إلى مغادرة العراق بعد الاحتلال عام 2003. وينحدر غالبية الفلسطينيين الذين قدموا إلى العراق عام 1948 من مدن يافا ونابلس والقدس وحيفا، حيث استقروا في بغداد والبصرة والموصل.
مناشدات فلسطينية لـ"الأمم المتحدة"
وضمن محاولات تغيير موقف الأمم المتحدة ازاء معاناة الفلسطينيين في العراق، وحقهم في الحصول على الامتيازات المقررة للاجئين، فقد نظمت الجالية "وقفات احتجاجية" في نادي حيفا الرياضي في بغداد، فيما وجه عدد من أبناء الجالية رسائل إلى بعثة "الأمم المتحدة" في العراق لعرض واقعهم المتدهور وللتذكير بواجبات الأمم المتحدة تجاههم.
الإعلامي الفلسطيني نبيل محمد سمارة، المقيم في العراق، وجه رسالة إلى ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت، جاء فيها: “نحن عينة من البشر ولدنا في العراق فوجدنا أنفسنا نحمل هوية بصفة لاجئ فلسطيني، بعد أن رحل عنا الجيل الأول الذي ولد في فلسطين. ووفق هذه الكلمة تحملنا ما لا يتحمله أي إنسان، فقد ذقنا مرارة الحياة في بلد يعاني الأزمات بعد عام 2003. يسألني ابني الذي الآن أصبح في عمر عشرين عاما: لماذا أنا لاجئ ولا يحق لي التعيين في العراق ولماذا نحن الفلسطينيون لا نستطيع العودة إلى بلدنا؟ هذه الأسئلة جعلتني محبطا ولا أعرف ماذا أقول له عن مسيرة امتدت منذ عام 1948 إلى يومنا هذا”. وأضاف سمارة “نحن ثلاثمئة عائلة فلسطينية قد تهجرنا من منازلنا في بغداد عام 2003 بسبب هويتنا الفلسطينية، وقد عشنا في نادي حيفا الرياضي في خيام لمدة سنتين، وبعدها قامت مفوضية اللاجئين في العراق باسكاننا في عمارات وهي التي كانت تتكفل لنا بدفع بدل الإيجار بسبب سوء وضعنا، واستمر هذا الحال ووضعنا يزداد سوءا بسبب ما يمر به العراق. وفي بداية عام 2020 أبلغتنا مفوضية اللاجئين في العراق عن قطع بدل الإيجار عنا. قمنا بالاعتراض على هذا القرار المريب والذي بسببه سنعود للسكن في المخيم من جديد، وقد اتصلت شخصيا بالسفير الفلسطيني في العراق وأخبرني أن مفوضية اللاجئين مصرة على قرارها، وعلى ضوء هذا القرار ناشدت وسائل الإعلام باعتباري صحافيا مستقلا، وعملنا وقفة احتجاجية في نادي حيفا الرياضي الذي كان يوما من الأيام مخيما لنا”.
ووجه الإعلامي الفلسطيني حسن خالد، المقيم في العراق، رسالة أخرى عبر الإعلام إلى بلاسخارت، أشار فيها إلى بعض مشاكل الجالية ومنها، أن “التضييق المالي أبرز معاناة تواجه الفلسطينيين في العراق، فقد حرموا أخيراً من رواتب الرعاية الاجتماعية التي لا تتعدى 42 دولاراً أمريكيا في الشهر الواحد، فضلاً عن القصص المؤلمة التي تواجه الشباب الفلسطينيين في بغداد، إذ يُرفضون خلال مقابلات العمل بسبب جنسيتهم. أما وقف بدلات الإيجار الذي سيشمل 125 أسرة فلسطينية، تتقاضاه، فقد أدخل الرعب إلى قلوب الأهالي”.
موقف السلطة الفلسطينية
السفير الفلسطيني في العراق أحمد عقل، أشار في لقاء سابق مع “القدس العربي” إلى أن الفلسطينيين قبل عام 2003 كانوا يعاملون معاملة العراقيين في العمل والتملك والزواج عدا التجنس، ولكن بعد الاحتلال صدر قرار بشمول الفلسطينيين بقانون 51 الذي اعتبرهم بمثابة لاجئين سياسيين يتم تجديد منحهم الإقامة كل خمس سنوات. وأشار السفير عقل إلى المشكلة الثانية التي تعاني منها الجالية وهي المشكلة الأمنية، حيث تعرضت الجالية إلى حملة إعلامية ظالمة اتهمتها بالولاء لنظام صدام حسين وترتبت عليها مضايقات وتهديدات وصلت إلى حد قتل عدد من أبناء الجالية، ما اضطرهم للنزوح إلى مخيمات على الحدود مع سوريا والأردن. ويشير عقل إلى إن السفارة أجرت لقاءات مع "الأمم المتحدة" التي تبرر قطع المساعدات بتراجع وارداتها من الدول المانحة، مؤكدا أن السفارة أجرت اتصالات مع الحكومة العراقية، إضافة إلى محاولات لعقد اجتماع مشترك لبحث أوضاع الفلسطينيين بين السفارة والحكومة العراقية والأمم المتحدة ولكن لم يحالفها النجاح حتى الآن.
وفي السياق ذاته، دعا عصام عدوان رئيس دائرة شؤون اللاجئين في “حركة حماس” الحكومة العراقية إلى عدم اتخاذ إجراءات جديدة بحق اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق.
وقال عدوان في بيان “ندعو الحكومة العراقية إلى عدم إدخال أي تغييرات على أوضاع الفلسطينيين في العراق تضر بحقوقهم وامتيازاتهم، ونأمل الاستمرار في تطبيق القرار 202 على الفلسطينيين وعدم شمولهم بالقرار 76 لعام 2017”.
وأضاف “وعليه نشير للحكومة العراقية بأن العراق كان قد رفض في عام 1950 استلام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مهمة تقديم الإغاثة والتشغيل لفلسطينيي العراق على أساس أن الدولة العراقية ستقوم بالواجب على أكمل وجه. وهو دور مقدر للعراق، ونأمل الاستمرار فيه”.
وخلال لقاءات “القدس العربي” مع بعض أفراد الجالية الفلسطينية، تم الاطلاع على بعض معاناتهم، ومنها التضييق والمحاربة من قبل ميليشيات مسلحة مرتبطة بأحزاب السلطة، التي تعاملت معهم على أساس أنهم موالون للنظام السابق أو متعاونون مع "الإرهاب"، وتم اعتقال العديد من أبناء الجالية وتضييق فرص العمل أمامهم والتعرض للتهديدات، ما أدى إلى تهجير المئات من أبناء الجالية من المجمعات السكنية التي كانوا يقطنونها منذ عشرات السنين ودفع الكثير منهم إلى الإقامة في مخيمات على الحدود مع سوريا والأردن لعدة سنوات قبل أن تتمكن الأمم المتحدة من إعادة توطين بعضهم في البرازيل وتشيلي.
مواقف الحكومة العراقية العدائية
وقد تفاقمت معاناة فلسطينيي العراق، على يد حكومات ما بعد عام 2003 والتي نفذت برنامجا تدريجيا لإلغاء كافة الحقوق والامتيازات التي كان يتمتع بها أبناء الجالية منذ وصولهم إلى العراق عام 1948 وذلك لأنها نظرت إليهم على أنهم مؤيدون للنظام السابق، إضافة إلى نظرة أحزاب السلطة غير الودية تجاه "القضايا القومية العربية".
وفي هذا الإطار، أقر "البرلمان العراقي" عام 2017 القانون رقم 76 الذي ألغى القانون رقم 202 المخصص لتنظيم وضع الفلسطينيين في العراق، وكان ينص على أنّ الفلسطيني يتساوى مع العراقي في الحقوق والامتيازات. فيما تم إلغاء كل القوانين التي تمنح الفلسطينيين حقوقا مختلفة عن بقية المقيمين الأجانب في العراق، حيث جرى منع تعيين الفلسطينيين في الوظائف الحكومية كالسابق، وحرمان الحقوق التقاعدية لعائلة المتقاعد الميت ، وحجب البطاقة التموينية التي تجهز المواطنين والمقيمين بمواد غذائية، فضلاً عن إجراءات صارمة تتعلق بتجديد هوية الإقامة كل خمس سنوات، وغيرها من الإجراءات التي وصلت إلى حد مطالبة بعض السياسيين بطرد الفلسطينيين من العراق، ما دفع منظمات دولية مثل “هيومان رايتس ووتش” إلى انتقاد القمع والاضطهاد والتشريد الذي يتعرض له الفلسطينيون في العراق بعد عام 2003 على يد السلطات والميليشيات.
والمؤكد أن المسؤولية عن معاناة الجالية الفلسطينية في العراق، تتقاسمها "الأمم المتحدة" وحكومة بغداد وأحزاب السلطة فيها، كما أن مواقف الحكومات العراقية بعد الاحتلال تجاه الجالية الفلسطينية في العراق، لا تتناقض فقط مع ادعاءاتها دعم القضية الفلسطينية، بل وتعبر عن موقف لا إنساني مناهض للقضايا العربية الأساسية ولـ"القومية العربية".

 

"القدس العربي"
19/7/1441
14/3/2020


الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+