رمضان والتقوى – وليد ملحم

فلسطينيو العراق6

عدد القراء 7108

http://www.paliraq.com/images/001pal/001pal-ka.BMP
 
 http://www.paliraq.com/images/01pho01/002.jpg

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ،أما بعد:

إخواني أهل فلسطين : لقد أظلنا شهر " كريم " وموسم " عظيم " ، يعظم الله فيه الأجر ويجزل المواهب ، ويفتح أبواب الخير فيه لكل راغب ، شهر الخيرات والبركات ، شهر المنح والهبات ، { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } ، شهر " محفوف " بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، اشتهرت بفضله الأخبار ، وتواترت فيه الآثار ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين » (متفق عليه) ، وإنما تفتح أبواب الجنة في هذا الشهر لكثرة الأعمال الصالحة وترغيبا للعاملين ، وتغلق أبواب النار لقلة المعاصي من أهل الإيمان ، وتصفد الشياطين فتُغَلُّ فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره من الشهور.

ولأهمية هذا الشهر العظيم عند سلفنا الصالح فقد كانوا ينتظرونه لخيره العظيم كما قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم .

وقال يحي بن أبي كثير كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا .

وكما قال الشاعر:                     

أتى رمضان مزرعة العباد                لتطهير القلوب من الفساد

فأد حقوقه قولاً و فعلاً                     و زادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب و ما سقاها               تأوه نادماً يوم الحصاد

إن من أهم ثمار هذا الشهر العظيم هو التقوى ، قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)"(البقرة).

قال الإمام السعدي رحمه الله في معرض تفسيره لهذه الآية: يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان.

وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها.

ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.

فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله، راجيا بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى.

ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.

ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي.

ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.

ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى انتهى.

قال ابن عاشور في تفسيره: والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي ، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي ، لأن المعاصي قسمان ، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصْب فتركُه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير ، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر ، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها ، لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي ، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني ، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية ، وفي الحديث الصحيح « الصَّوْمُ جُنَّة » أي وقاية ولما تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات انتهى .

إذا فثمرة الصيام ونتيجته المهمة هي التقوى فما هي التقوى ،قال الشيخ المنجد في كتابه سلسلة أعمال القلوب القلوب:

التقوى لغة:

التقوى هي الاسم من اتقى والمصدر الاتقاء، وهي مأخوذة من مادة وقي فهي من الوقاية ، وهي ما يحمي به الإنسان نفسه ، وتدل على دفع شيء عن شيء بغيره،  فالوقاية هي ما يقي الشيء ،ووقاه الله السوء وقاية ،أي حفظه.

وأما المعنى الشرعي:

فقد ذكر العلماء في تعريفها عدة عبارات فمن ذلك قولهم :

-أن تجعل بينك وبين ما حرم الله حاجبا وحاجزا .

-امتثال أوامر الله واجتناب النواهي فالمتقون هم الذين يراهم الله حيث أمرهم ولا يقدمون على ما نهاهم عنه .

- والتقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل ، والاستعداد ليوم الرحيل .
-
والتقوى أن يجعل المسلم بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وذلك بفعل طاعته واجتناب معاصيه.

-وقد سأل عمر رضي الله عنه أبي بن كعب فقال له :ما التقوى ؟ فقال أبي: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقا فيه شوك؟ قال :نعم .. قال :فما ذا فعلت ؟..قال عمر: أشمر عن ساقي وأنظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدما وأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة ..فقال أبي بن كعب :تلك التقوى..!.انتهى.

قال طلق بن حبيب، وتعريفه كما قال العلماء هو أشمل تعريف للتقوى، قال: [التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب الله] فقد يعمل الإنسان من الطاعة ولكن على جهل، فقد يصلي صلاة ولكن بدون خشوع أو طهارة أو إخلاص، إذ لا بد أن يعمل العمل على نور، وأن يكون هدفك من هذا العمل الصالح أن ترجو ثواب الله،

وروي عن علي رضي الله عنه قال: [التقوى أربعة أشياء: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل] فإذا وجدت معك هذه الأربع فأنت متقٍ، فالخوف من الجليل، والعمل بالتنـزيل -أي: القرآن المنـزل- والرضا بالقليل مما رزقك الله؛ لأن المقسم هو الله، والاستعداد ليوم الرحيل، فإذا عملت بهذه الأربع فأنت من خيار المتقين.

إخواني أهل فلسطين وخاصة "فلسطينيو العراق" الكرام الذين تحملوا الصعاب وشظف العيش. هذا شهر رمضان قد طرق الأبواب وهو فرصة ثمينة لكسب الخيرات والحسنات وتكفير السيئات وتفريج الكربات ، هذا الشهر العظيم الذي فيه ليلة خير من ألف شهر يجب ألا تضيع أوقاته بالنظر إلى المسلسلات والبرامج الفاضحة وتضييع الأوقات في اللعب واللهو فهو غنيمة عظيمة يجب ألا تضيع ، كما يحرص فيه على كف اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والنظر إلى المحرمات فإن هذه الأعمال تخدش التقوى ، ويحرص فيه على أداء الصلوات في المساجد وخاصة صلاة التراويح وأوصي إخواني الذين وطنوا في بلاد الكفار والتي تقل فيها المساجد أن يرتبوا أوضاعهم للصلاة في أقرب المساجد إليهم لأن هذا شهر عظيم وتجارة رابحة ولا يعلم الآجال إلا الله فلربما لا ندرك رمضان القادم والآخرة هي دار القرار .

نسأل الله أن يجعلنا من المتقين في هذا الشهر العظيم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

أخوكم : وليد ملحم

15/8/2009

"حقوق النشر محفوظة لموقع" فلسطينيو العراق " ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

الكلمات الوصفية التقوى رمضان وليد ملحم

اترك تعليقك

التعليقات 6

  • الأمارات

    0

    احسنت اخي العزيز المؤمن سلمت يداك

  • السويد

    0

    بارك الله بيك يا عمو ابو والله مقال اكثر من رائع واهنيء جميع المسلمين على هذا الشهر الفضيل شهر الخير وهنيئا لمن سيفوز بهذا الشهر الكريم تحياتي واحترامي الك يا عم ابو احمد

  • من اليمن

    0

    بارك الله فيك اخ ابو احمد على هذا المقال الذي يجب من الجميع الان ان يستعد استعداد تام وكامل من اجل الفوز بهذا الشهر العظيم وتكثير الطاعات فيه كما قال الشاعر.وصلينا خلف ائمة حبروا الينا القران، وما نداء كان احب الينا من المؤذن ينادي ..صلاق القيام اثابكم الله. ترائينا هلال رمضان استبشارا بالطاعةوها نحن نتراءىضيف عزيز فيا لله..كم رفعت ايادي الدعاء..وهلت دموع الرجاء..وعفرت الجباه لرب الارض والسماء..وماكان شيء افرح لنا من لذة المناجاة وانس الاقتراب.. ولئن اتينا من مالنا اتينا..واتينا من الطاعة ما اتينا.. فان قلوبنا وجلة..ورجائنا بالقبول عظيم..ولقد كان من النفل والفضل ان نرى يمناكم الكريمة..فكان من الواجب ان تروا يمناها تمد لكم تهنئة في شهر رمضان.. فهنيئا لشعبنا الفلسطيني اينما كان. والشعوب العربية والاسلامية قدوم شهر رمضان المبارك..تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام..ورفع الدعاء..والحمدلله رب العالمين

  • اليمن

    0

    جزاك الله خير وجعلها الله في ميزان حسناتك وكل عام وانتم و امة محمد صلى الله عليه وسلم بخير

  • البلديات

    0

    رمضان كريم على كل اهلنا الفلسطنيه بكل مكان بلعالم

  • السو يد ما ركر يد

    0

    جز الله خير الشيخ و ليد ابو احمد على هذة النصيحه القيمه و تذ كر ة البا لغه و ر مضا ن كر يم

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+