رحلة الخروج من الجحيم – الحلقة الثانية – عيسى الحسن

فلسطينيو العراق3

عدد القراء 2045

http://www.paliraq.com/images/001pal/000PI-kh.png
 
 http://www.paliraq.com/images/01pho01/bomb.jpg

هل كانت السنة سنة انفصال البحر عن مدن الرماد كما يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش؟
ترى ما الذي يمكن أن يبقى من الرماد إذا ما خالطه موج البحر ثم انفصل عنه؟ هل يدرك العرب، حكاما ومحكومين، أن الفلسطيني وقضيته كانا على الدوام ملح طعامهم، وخبز يومهم، ورداءَ سترِ عوراتهم، والسقف الذي يظلهم، رغم أن الفلسطيني نفسه لا سقف له يستظل به!
هل يدرك العرب، حكاما ومحكومين، أنهم حينما يقتلون الفلسطيني وقضيته إنما يقتلون أنفسهم، وأنهم ما زالوا يعانون في كل بقاع أرضهم المترامية الأطراف منذ أكثر من ستين عاما لأنهم اعتبروا الفلسطينيين وقضيتهم حملا لا ينبغي عليهم أن يحملوه؟!

وهل يدرك العرب، حكاما ومحكومين، أن المعادلة ليست معادلة ضعيف وقوي أو فقير وغني؟ وأن الرماد أوهن من أن يقاوم موج البحر؟!

هل يدرك العرب، حكاما ومحكومين، ان قوة الفلسطينيين تكمن فيما يراه الناس ضعفا فيهم، وأن غناهم يبزغ من بين مظاهر فقرهم، وأن صمودهم مختزن في شتاتهم؟! وأنهم ما تصنّعوا ذلك يوما، ولكنهم كانوا قساة على أنفسهم قبل أن يقسوا عليهم الآخرون، وأنهم كانوا وما زالوا قانعين راضين بالذي كتب عليهم ولهم، فلم يزدهم الفقر والقلة إلا ارتفاعا وشموخا وعزة نفس، وأنهم خبروا القوة والضعف فاختاروا قوة الإرادة على قوة الجسد، فكانت وحدة الإرادة وإرادة الوحدة هاجسهم وطريقهم حتى أصبح شتاتهم عنوانا لوحدتهم وليس لذوبانهم؟

نعم، كانت السنة (سنة 2003) سنة انفصال البحر عن مدن الرماد. وكان على البحر أن يصرخ بهديره معلنا انه قد آن الأوان لكي يعرف العالم كله ان من يدعون أنهم يحملون همّ فلسطين وقضيتها انما يتبجحون بذلك لكي يواروا سوآتهم وخيانتهم وجرائمهم، والا فما معنى ان تضيق الارض العربية كلها على ثلاثين الف فلسطيني هم كل من امتصهم جرس النسيان في العراق على مدى نحو ستين عاما، فلا يجد الفلسطيني "الهارب" من الجحيم في العراق مأوى له حتى على تخوم صحراء الحدود بين الدول التي تدعي العروبة والتفاني من أجل فلسطين والأقصى؟ وما معنى أن يقبع الفلسطيني هو وأطفاله بلا طعام وشراب كباقي البشر وبلا حياة ولا تعليم ولا علاج ولا أمل بالمستقبل لسنوات وسنوات خلف أسوار من الأسلاك الشائكة وتحت عامود خيمة لا يعرف متى ستسقط على رؤوس أطفاله أو متى سيجتاحهم سيل المطر أو حريق الصيف، لكي "ترأف" بحالهم بعد ذلك دولة "أجنبية" لتغرِّبهم من جديد، وليتجرعوا مرة أخرى مرارة الغربة والحرمان والتشرد والموت في أرض بعيدة عن أرضهم آلاف الأميال لأن أبناء جلدتهم رفضوا وجودهم بينهم؟

أليس هذا بحد ذاته كافيا لكي يعرف العالم أن خطابات الحرص على فلسطين وقضيتها وأهلها ما هي إلا كذبة كبيرة آن لها أن تنكشف.

ولكن، لماذا بدأ الفلسطيني "يهرب" من جحيم العراق بعد عام 2003؟ سؤال لطالما وُضِعَتْ مشروعيته على المحك.

إذ أنه أول سؤال يقفز إلى ألـْسنةِ المشككين بحق الفلسطيني في الحياة.

ولنُعِدْ صياغة السؤال بلسانهم هذه المرة.

يقول السؤال: لماذا رضي الفلسطيني بالعيش في العراق عندما كان آمنا، وعندما أصبح "الأمن" فيه على المحك بدأ الفلسطيني بـ "الهروب"؟

هل هو سؤال مشروع حقا أم أنه تشكيك بقدرة الفلسطيني على الصمود في الظروف الصعبة؟
يرجعني هذا السؤال إلى مقالة للكاتب الإيطالي كونسيليو باولو كان قد كتبها بعد نكسة حزيران عام 1967 محاولا الأجابة من خلالها على السؤال عن أسباب هجرة الفلسطينيين بشكل مكثف بُعيد عدوان حزيران الذي تصادف ذكراه الثالثة والأربعون هذه الأيام.

يقول باولو: ترى ما الذي جعل الفلسطينيين، بعد أن احتلت "إسرائيل" كامل الضفة الغربية عام 1967، وأصبحوا عمليا خلف المدافع الإسرائيلية، ما الذي جعلهم يجمعون رحالهم ويرحلون ليحطوا أمام فوهات المدافع في الضفة الشرقية للنهر؟

ويجيب باولو على السؤال بالقول: لا بد أن أمرا عظيما ذلك الذي يجعل الانسان يهرب من خلف المدفع ليجلس امام فوهته.

نعم، إنه أمر عظيم ذلك الذي جعل الفسطيني يذهب الى المجهول تاركا خلفه بيته ومتاعه وتجارته وماله وأقرباءه وحياته كلها.

ليس الخوف من الموت هو ما جعل الفلسطينيين يبدأون بالخروج من العراق زرافات ووحدانا بعد عام 2003، إذ أنهم يعرفون أنهم ميتون لا محالة، ذلك أنهم يؤمنون بقضاء الله وقدره ويعلمون أن الموت حق ولا بد أن يردوه.

لقد كانوا وما زالوا يدركون أنهم بخروجهم إنما يذهبون الى المجهول، والمجهول، في مقاييس الخوف والشجاعة، أخطر من الموت وأكثر رهبة، ومع ذلك خرجوا ويخرجون.

ما هو السر إذن؟

ولماذا يهجر الفلسطيني الحياة التي بناها ليذهب الى المجهول؟

في الحلقة المقبلة لنا لقاء إن شاء الله.

 

عيسى الحسن

5/6/2010

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 3

  • كاليفورنيا

    0

    أخي وصديقي عيسى الحسن ( أبوحنين )هذا رقم أميليan_an200941yahoo.comأرجو منك ياحبيبي أن تبادر أنت بالمراسلة لأني لم أستطيع مراسلتك فرقم أميلك كان عصي علي فلم يفتح رغم محاولاتي المتكررة معه.. علما بأن فرق الوقت (من أجل القياس )بين كاليفورنيا وبغداد (مثلا 12) ساعة فأن كانت بالعراق نهارا تكون عندنا ليلا.. لك مني كل الحب والتقدير يامن مرارة فراقك لم تستطع أن تطفئ كل حلاوات لقائتنا واخوتنا ومحبتنا عندما كنا معا لأننا لم نكن يعلم كل منا ماكان يخبىء له القدر .. وماكنا نعلم ماكانت تضمر لنا الأيام ياأخي العزيز أبوحنين...

  • essah58@yahoo.com

    0

    بسم الله الرحمن الرحيم اخي وصديقي وحبيبي جمال أبو النسب المحترم أحمد الله أن سمعت أنك بخير فو الله قد اختلطت عليّ أخبارك مؤخرا فلم أعد أعرف أين أنت وبخاصة بعد تعطلت رحلتكم في الخروج من الجحيم في آخر لحظة. لقد تابعت أخبارك وأخبار أحبتنا عبر موقعنا العزيز موقع \"فلسطينيو العراق\" ولكني أود أن نتواصل بشكل مباشر ولذا فإني أرجو أن تتواصل معي على الماسنجر على عنواني الالكتروني (essah58@yahoo.com) وأكون لك من الشاكرين فأنا بحاجة ماسة لسماع أخبار كل أحبتنا واخوتنا ومعرفة مصيرهم. أ خوكم عيسى الحسن (أبو حنين)

  • كاليفورنيا

    0

    اخي وصديقي عيسى الحسن ( ابو حنين) السلام عليك روحمة الله وبركاته.. الحمد لله الذى مكنني من معرفة مصيرك أنت والعائلة .. فالأغتراب في ظلمة الغربة أمر وأشد علينا ونحن على بعد أمتار من محرري أرضنا بشعارتهم.. لأنهم القوا بنا في ظلمة الصحراء لنلعق جراحنا مغموسة بتراب الأرض وملح البعد عن نصف قرن من الذكريات بمرها الذى رافقنا منذ ولادتنا . وحلوها الذي لم نذق منه اللا القليل القليل... وآثرنا مكرهين الفرار بدمنا ولحمنا وعرضنا وديننا الى المجهول الذي لايرحم.. وهانحن صار لنا في كل بقعة من بقاع الأرض مزغة لحم . لانعلم متى ستتلقفها أفواه أشد شراسة من وحوش الغاب.. غير مسموح لنا أن صفعنا على وجوهنا أن نصرخ أوتدمع لنا عين .. وجرما أذا أحمر لنا خد من هول الصفعة.. أقرء ياخي عيسى مايكتبه أبناء جلدتنا عنا حين يبث أي منا هما أوحزنا أوجرحا ينزف رغم عنا.. أقرء ياأخي عيسى كيف سينبرى الوعاض وأصحاب القلوب الرحيمة ليقولوا لنا موتوا صامتين فهذا الذي كسبت ايديكم .. لذا قررت أن أن لأأشكو جرحا أنا صاحبه . لأن الجرح أهون عليّ مما سمعت وقرأة من ردود من الكثير من أخوة حسبتهم هم عون لي في غربتي.. بل راح البعض يقذفني بمر الكلام( وحمل بعير ) من الأتهامات.. وقد نسو أن قدري أن أولد ؟عربي ؟مسلم ؟فلسطيني ؟في عراقا كل شيء أصبح فيه مستباح.. أحييك لما كتبت وما ستكتب ليس من مقالات .. بل أنها حقا مقطوعات أدبية ترتقى لأن تكون شعرا يترنم على جراحنا وذكريتنا ..وجرما لم ولن نقترفه نحن ولا أبائنا وأجدادنا من قبل .. لك من قلب أخيك كل الحب والمودة .وقبلة ثلجية أطبعها على جبينك ..وعذرا أن مس خدك مني دمعة حرقى لأني أكاد اغص بها حد الأختناق.....

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+