حكايات من الذاكرة ج1- حكاية جدتي- أنور الشعبان

فلسطينيو العراق7

عدد القراء 2078

http://www.paliraq.com/images/001pal/000PI-kh.png
 
 http://www.paliraq.com/images/9ca819a.jpg

يوم امس ذهبت الى فراشي لكي انام وكانت الساعة الثالثة صباحاً وما ان وضعت رأسي على مخدتي واغمضت عيوني بعد قرائتي الشهادتين وهي عادتي يومياً قبل النوم لأني اعتبر يومي هذا قد يكون آخر ايام حياتي في هذه الدنيا الفانية لا محالة لا يعلم وقتها الا سبحانه وتعالى وحاولت النوم الا ان فكري ابى النوم وأبت عيونه ان يغمض لها جفن واخذ فكري يقلب فكره يميناً ويساراً وفجئة وبدون مقدمات ذهب فكري وغاص بعيداً ورجع الى وراء الوراء الى خمسة واربعون عاماً مضت.

ورأيت وجه جدتي ماثل امامي ويشع نوراً ومن شدته اغمضت عيون فكري جفونها للحظات وكانت صورتها حاضرة امامي كما عهدتها بوجهها الباسم وتجاعيدها ظاهرة كأنها تحكي عن سنين عذاباتها التي مرت عليها منذ تهجيرها من فلسطين ومن قريتها جبع والتي لم تغب عن ذاكرتها ابداً .

ورجع فكري بذاكرته الى ايام منطقة الطوبجي حيث سكن جدتي وكان بيتها عبارة عن غرفتين صغيرتين مع مطبخ وحمام صغيرين وساحة صغيرة عملها جدي حديقة زرع فيها طماطة وبصل وبطاطا وشجرة عنب كنا نأكل منها بالموسم وكان يقضي الساعات وهو يعتني بها ليس من اجل الاكل فقط وانما لتذكره ببستانه وبترابه في فلسطين وكان يرعاها كما يرعى اولاده واحفاده  وكنت اغار منها عندما يضربني من اجلها .

وفاتني ان اذكر ان خالي الصغير وعائلته الصغيرة كانوا يسكنوا مع جدي وجدتي ولقد اعتادت والدتي زيارة اهلها كل خميس وكان عندها كيوم مقدس ولما لا وهي تذهب لمساعدة امها الضريرة في حمامها حيث ان امها فقدت بصرها على كبر بعد قدومها الى العراق اثر مرض اصابها افقدها بصرها وكنت اذهب معها اكثر المرات وكنت انا واولاد خالي الموجودون بنفس البيت واولاد خالي القريبين على بيت جدتي وكنا دائماً نجلس حولها وتحكي لنا قصص من الف ليلة وليلة على الطريقة واللهجة الفلسطينية.

وقبل كل حكاية كانت تتكلم عن ذكرياتها وايامها الجميلة في فلسطين واخبرتنا كيف كانوا يقطفون الزيتون من الاشجار وكيف كانوا يجلسون في فترة الغداء سوياً وكان اكلهم عبارة عن بصل وزيتون ولبن وخبز التنور وكانت تحدثنا ايضاً عن حياتهم البسيطة في كل شيء وكيف كانت اواصر المحبة والصداقة فيما بينهم وكأنهم عائلة واحدة وفي احد المرات حدثتنا عن عرس والدي ووالدتي حيث كانوا اقارب وجيران وكان عمر والدتي عند زواجها لا يتجاوز الخامسة عشر وهكذا كانت اعمار الفتيات في سن الزواج وكانوا يتبعون السنة والفطرة السليمة وتكلمت عن الدبكة الفلسطينية والاهازيج والاغاني الفلسطينية التراثية والموروثة جيل بعد جيل والمعرضة الان للانقراض لعدم وجود من يوثقها كل هذا حدث وانا ما زلت مستلقي على فراشي والنوم مجافيني.

وفجأة ذهب فكري الى عرس جرى في ساحة صغيرة قرب بيت جدتي واتذكر انه كان لاحد شباب أل المجيد وتجمع الشباب يدبكون الدبكة الفلسطينية وبدون مقدمات اغمضت عيون فكري معلنةً انتهاء التأمل واستغراقي في النوم.

 

أنور الشعبان- السويد

14/1/2011

 

المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 7

  • الاخ فلسطين في القلب

    0

    شكراً على كلامك الطيب وسأخذ بنصيحتك وارجوا ان تعذرني لآنها المرة الاولى لي لكتابة القصة القصيرة بعد انقطاع عن الكتابة لأكثر من خمسة وثلاثون عاماً.

  • بلا عنوان

    0

    شكرا لك يااخي انورعلى هذه الذكريات انها حقا ذكريات رائعه ولكنها مؤلمه تشم بها رائحه ماضيك فكأنها تعيد الزمن اليك بطقوسه بسويعاته بذكرياته بأناس ....... قاسموك يوما كل شيء حتى انفاسك فترى بها ملامح طفولتك وذكريات تمر بها تلمح بها رفاقك الذين كبروا تنقب عن آثار براءتك عليها تتبع خطوات شقاوتك على ارضها وتبتسم بمرارة وتردد ((ليتنا لم نكبر)) وذكريات تمربها فتكشف لك جرحك المستور ويعتري أمامك جسد الذكرى المغطى برداء النسيان وتأتي اليك بارواح لوحت لها يوما مودعا ولوحت لك باكيه أحتوت احلامك في مهدها كالام وربتت على حزن أيامك كالوطن وسترت مشاعرك ومنحتك الفرح والأمان بلاحدود .فتشعر بالغصه تتسلل الى اعماقك وتشعر بالمرارة تستقر في فمك فتغمض عينيك أمامها ألما فهذه الذكريات كانت يوما تعني لك الكثير فينحرك المرور بها نحرا فهنا كنت أجمل هنا كنت أصغر هنا كنت أنقى هنا كنت أصدق وهنا كنت أطهر فتعود منها محملا بكل الأشياء الا نفسك .........؟؟؟

  • فلسطين في القلب

    0

    جميلة هي ذكرياتنا تلك التي في سردك خاصة تلك التي يلمنا بها سور بيت جدنا والاجمل انها بالطوبجي ذلك الحي الغافي بحظن بساتين ذكريات الطفولة اخي انور دعنا من المجاملة سردك جميل لكن بحاجة لمفردات وقراءة اكثر لتطوير مهاراتك بالكتابة وفقك الله والى امام

  • سوريا

    0

    بارك الله فيك على هذا المقال ننتظر منك المزيد من المقالات الرائعه

  • أخي أنور المحترم السلام عليكم ,, بداية موافقة ومدخل لسلسلة مشوقه ,, لكن عليك التنبه للحفاظ على حلقاتها مترابطة خشية أنفراطها لاحقا\" ,, ويسعدني أن أترقب أجزائك القادمة بشوق فلا تجعلنا ننتظر طويلا\",, أخيك جمال أبو النسب ,,,

  • السويد اوبسالا

    0

    جميل جدا ان نعود الى ذكرياتنا الجميلة التي توارثناها من ابائنا وعاداتهم وتقاليدهم والتي بدورنا يجب ان نورثها الى اجيالنا ولكن مع الاسف في زمن ثورة التكنلوجيا التي ربما ستكون سببا في حدوث فجوة بيننا وبين ابنائنا وشئ جميل منك ياأخ انور ان تستذكر شيئا من عبق الماضي الجميل المعطر برائحة الزعتر والزيتون واشد على يدك ان تستمر في سرد الحكايات الجميلة وكل شخص عنده حكايات عن البلاد ان يحكيها في هذا الموقع لكي تكون فرصة لابنائنا التواصل مع ماضيهم وشكرا لك ياأخ انور الشعبان .

  • كندا

    0

    السردجميل ينم عن نفسيه رافضه للتغيير تحن للماضي وهذا هو حال اغلبنا ولاكن عزائنا ان لنا الله عائدون اليه جميله هي الذكريات ولكن ما بايدينا فالزمن لايتوقف تحياتي اخي العزيز

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+