الانتهازيون "2 " – د. محمد الكثيري

فلسطينيو العراق0

عدد القراء 4613

http://www.paliraq.com/images/001pal/000PI-mo.png
 
http://www.paliraq.com/images/paliraq2011/intehazeyah.JPG

ملاحظة من اللجنة العلمية بالموقع: لكثرة هؤلاء وانتشارهم وتفشي هذا المرض العضال والداء الخطير، واستشراء الأضرار المترتبة على ذلك وتضييع الحقوق والمبادئ والثوابت، وللتحذير من هذا المرض الفتاك وتنبيه جميع الزوار والقراء منه، ولتعميم الفائدة ارتأينا نشرها.

 

الانتهازيون "2 " – د. محمد الكثيري

 

(في المقال السابق تحدثنا حول مفهوم الانتهازية ورؤية عامة حول خطر الانتهازيين وفي هذا الجزء نتابع وصفهم والتعريف بهم وبصفاتهم وسلوكهم وطريقة حياتهم )


من هو الانتهازي؟

الانتهازي شخص ذكي، أو متذاكٍ، ولكنه أناني، طموحه كبير، بيد أنه ضعيف الشخصية، يخيل إليك أنه مهزوم أو مظلوم فيما هو يتحايل للوصول إلى مبتغاه. لا يعطي رأيه بصراحة تامة، بل يريد أن يستمع إلى الجميع ليقف – ليس مع الأصوب – ولكن مع الأقوى شأناً أو الأكثر ثراءً أو الأعلى جاهاً وسلطاناً ولو بالباطل، حماية لنفسه، وتحقيقاً لمصالحه. يساير الكل، ويبتسم للجميع عندما تكون أموره ميسرة، أما إذا كانت أحواله معسرة، وأمره مفضوحاً، فالفتنة سلاحه، والإشاعة سبيله، والإيقاع بين الناس رأسماله، وركوب الموج ديدنه، والأنانية غايته، هذا هو الانتهازي كما يصفه المختصون، وبهذا الوصف الدقيق ينفضح الانتهازيون وتبدو سوءاتهم وتنكشف أهدافهم، وسوء طوياتهم.


سلوكه:
الانتهازي في تصرفاته أشبه بالأطفال الصغار، حيث يحبون الاستئثار بكل شيء في أنانية مفرطة، ويجب أن يحصلوا على ما يريدون على الفور، وإلا فستنتابهم غضبة عارمة تتبعها تعاسة وبؤس وانتقام لمن وقف دون ما يريدون! فسلوكياتهم تتسم بالصبيانية والمراهقة المبكرة رغم أنهم يبدون مثل الكبار في مظهرهم الخارجي، لكنهم ليسوا على وعي بصبيانيتهم.


تفكيره:
عقل الانتهازي بل دينه في جيبه، هو معياره وميزانه، يحجب عينيه بنظارة سوداء قاتمة لا ترى إلا مصلحته الشخصية، فيدوس بقدميه كل ما سواها من المبادئ والقيم والأخلاق ومصالح مجتمعه وقضايا أمته، يفتقر لسلامة النفس. شعاره: "أنا ومن بعدي الطوفان" غارق في الأثرة والأنانية، مفرط في حب الذات، أجوف، لا يحمل هماً اجتماعياً حتى وإن تسنم مواقع التوجيه والتأثير في المجتمع.


فالانتهازي عبد للذات والمال والجاه، الغاية عنده تبرر الوسيلة، يدوس على الأخلاق بحذائه، لا يقيم وزناً للقيم، بل يتندر بها وبمن يحث عليها ويعدهم في أحسن الأحوال: سذجاً وبسطاء، أو مثاليين لم تعركهم الحياة، أو معقدين حاسدين.


طباعه وأخلاقه:

لا يتورع الانتهازي عن الظلم عندما يقدر، ويجب على من تحت ولايته أن يتملق ويخنع ويدفع من كرامته ومُثله ما يروي ظمأه ويشبع جوعه وفقره للتسلط والطغيان وإلا فليحتمل كل ما سيناله من الأذى، والحرمان من الحقوق، ما يطول الحديث عنه.


إذا حدث الانتهازي كذب، بل الأصل في حديثه الكذب، ولا تنخدع بكثرة الأيمان المغلظة ولو لم تطلب منه، وقد عرف عن أحدهم أنه لا يلجأ للحلف إلا عندما يكذب ليواري سوءة كذبه، وصدق الله تعالى: (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) (البقرة: من الآية204).


إذا وعد أخلف، دون اكتراث بمشاعر الآخرين وما يسببه من مشاعر الألم والإحباط لهم جراء ما نقضه من وعود أو عهود، بل إن الوعود عنده مطية للتخلص مما يجب عليه تجاه الآخرين، وهي عملة ثمينة تروج في مصارف وبنوك الذين يحسنون به ظناً، كما أنهم يهددون أكثر مما يفعلون، فتجاوزاتهم وفضائحهم تعيقهم من إيقاع تهديداتهم.


أما إذا اؤتمن فالخيانة طبعه، يسيء توظيف الثقة عندما تمنح له، وفضح السر شأنه ونقل الكلام وتزويره وظيفته، يجيد الطعن من الخلف، يتنكر لكل ود قديم، صداقته حيث تكون مصلحته ومنفعته.
وعندما يخاصم فالفجور والتعدي والبهتان ديدنه، لا يمنعه من ذلك وازع من دين أو رادع من ضمير، ليس للخصومة عنده أي أدبيات، نعم إنهم العدو فاحذرهم، أليسوا هم "ألد الخصام".


للانتهازي من اللؤم نصيب وافر، يقول ابن المقفع: (من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيئ الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولاً للفحش، مجازياً بالحقد، متكلفاً للجود، صغير الخطر "أي القدر والمنزلة"، متوسعاً فيما ليس له، ضيقاً فيما يملك).


الانتهازي في بيئة عمله:

يرى الانتهازي أن معظم الأنظمة والقوانين إنما وضعت لتقييده والحد من تسلطه وإشباع حاجاته النفسية، فهو يحتال عليها وكثيراً ما ينتهكها، ويضجر بشدة لدرجة الغضب العارم عندما يطلب منه الالتزام بها، لشعوره بأنها تحدّ من حريته في المنح أو المنع وتقوّي الآخرين عندما يطلبون حقوقهم، بل ويسخر منها وممن وضعها وكما يقول أحدهم: (نطبق من اللوائح ما نريد، ونعرف كيف نتخلص مما لا نريد).


الانتهازي مغرم بالضبابية التي تسود بيئة العمل، يمقت تحديد الصلاحيات والمهام، يريد أن يعمل في بيئة منفلتة لا تعرف الحدود، لكي يمارس ما يعرف بـ"العنف البيروقراطي" فيخضع الآخرين لرغباته، وكفى برغبته مبرراً ومقدمة" رغبة منا.." عندما يتخذ قراراً، وما على الآخرين إلا السعي لتحقيق هذه الرغبة، والعمل بموجبه والتقيّد به دون خجل!
الانتهازي مولع بالمظاهر وتلميع الذات، يصفهم لندين بقوله: (يدهشك أنك حين تجلس إلى أولئك المدراء، تسمع منهم العبارات المنمقة، ويملأون مكاتبهم بالكتب النفيسة، لا للقراءة، ولكن لتبدو مكاتبهم أكثر أناقة) ويضيف: (.. حقاً هم الفرسان المضللون للقيادة الضعيفة للمؤسسات..).


يرفض الانتهازي النقد أو النصح ويعتبرهما انتقاصاً لقدره وحطاً من كفاءته، ويسيء الظن في كل من يوجهون نصحاً أو نقداً فيرى أن دافعهم شخصي أو باعثهم الحسد (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا) (الفتح: من الآية15)، فهو يرى نفسه مثالياً يفوق الآخرين، منطقة: "لن تعرفوا خيري حتى تجربوا غيري"، بل لا يرى الآخرين شيئاً ولا يعنيه رأيهم ولا يعيره أي اهتمام ما دام قد حظي برضا رئيسه، فهو "دائماً يتسلق السلّم وبعدة وجوه؛ فوجهٌ لتهديد من يرأسهم، ووجهٌ ناعم لمن يرأسونه"، وفي نظره أنه لا يخطئ، وعندما تؤدي أعماله إلى عواقب وخيمة فغيره المسؤول وهو لا يتحمل أدنى مسؤولية بدعوى أنه لا يعلم، فهو يجيد التنصل من الأخطاء، بل وأكثر من ذلك يحسن إسقاط تبعة أخطائه على غيره أو على الظروف أو المجتمع أو شح الموارد المالية، وأحياناً التوجيهات والرغبات – بزعمه!!


أين تجد الانتهازي؟

الانتهازية لا تختص بشريحة اجتماعية دون أخرى، فهاهم الانتهازيون في جميع شرائح المجتمع على تباين مستوياتها، تجدهم بين الوزراء ووكلائهم والمستشارين وأساتذة الجامعات والعسكريين بمختلف رتبهم، والمدراء والموظفين والتجار والكتّاب والصحفيين، وأينما يممت وجهك وجدتهم بكل أسى ولوعة وأسف!

فربما تجد الانتهازي مديراً أو معلماً أو مستشاراً أو موظفاً أو متحدثاً أو دعياً للعلم أو منتسباً للقلم والكتابة، كما قد تجده عاملاً أو سكرتيراً أو طالباً.


وقد تسود الانتهازية في ثقافة أمة أو شعب وتتجذر حتى تصبح سمة غالبة، تحدد اتجاهات هذه الأمة ومواقفها، وذلك على مر العصور وتغير الظروف ففي القرن الماضي مثلاً عرفت دولة بأنها لا تغيب عنها الشمس، ثم تحولت في هذا القرن إلى دولة لا تخرج عن ظل دولة أخرى، تتطابق معها في الأهداف والأطماع، تحرضها وتدفعها للمصير ذاته.


بين النفاق والانتهازية:

من المهم أن نبين أوجه الاختلاف بين الانتهازية والنفاق، فالانتهازي طبعه الأنانية والأثرة، وحب الذات، يسعى لتحقيق النفع المادي العاجل، أو الحصول على منصب أو غرض دنيوي مهما كان دنيئاً لإشباع طموحه وشهواته وحبه للتسلط، بأساليب غير مشروعة يغلب عليها التملق والتلون والخداع لابساً ثوب التظاهر بالصلاح والنصح، غير عابئ بالقيم والمبادئ والمثل ومصالح الآخرين، منطقه في ذلك: "أنا ومن بعدي الطوفان". بينما تنطوي سريرة المنافق على ألوان من الانحرافات العقدية والتآمر على المجتمع ومبادئه وأخلاقه وقيمه في منهجية تجمع بين النظرية والتطبيق، ولو لم يكن له منفعة ذاتية ومصلحة فردية، يُظهر ولاءه وانتماءه للمجتمع ويتحين فرص الانقضاض عليه لينشر أفكاره، ويحقق مآربه كما فعل السامري بقوم موسى عليه السلام، وابن سلول في المدينة في أكثر من حادثة كتب الله لها الفشل.


فالتآمر على عقيدة المجتمع وأخلاقه وقيمه وأفكاره هو ما يميز المنافق عن الانتهازي، وهذا وجه الاختلاف الجوهري أما أوجه الشبه ونقاط الالتقاء والتطابق فكثيرة جداً.

 

د. محمد الكثيري

 

المصدر: موقع المسلم

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+