من التراب الى ناطحات السحاب – خالد نواف ابو الهيجاء

فلسطينيو العراق14

عدد القراء 3717

http://www.paliraq.com/images/001pal/000PI-kh.png

باسلوب بسيط جدا سأسرد عليكم بعض ما بدر الى ذهني من ذكريات حيث عدت بذاكرتي الى الامس القريب وبالتحديد منذ شهر شباط من عام 2007 حيث كانت خيمتي تأوي عائلتي بين المئات من خيم العوائل القابعة على تراب صحراء الوليد على الحدود العراقية مع سوريا وكنا نفترش التراب ونجلس لنتسامر مع الأحبة ونحتسي فناجين القهوة وتارة نضحك وأخرى نتذكر أيام بغداد بحلوها ومرها وتارة نتناقش بمصيرنا ومصير مئات العوائل العالقة بهذا المخيم .

وكانت الكلاب السائبة وما أكثرها تتجول بين الخيم باحثة عن بقايا صحن فول أو علبة مرتديلا منتهية المفعول أو فضلات ما كان يتناوله اللاجئون من المعلبات التي كانت توزع عليهم شهريا وبالقرب من مكان عملي في مدينة هيوستن التابعة لولاية تكساس الأمريكية رأيت روضة خاصة للكلاب وكنت وما زلت أشاهد الأشخاص يوميا يأتون بكلابهم الى تلك الروضة ليتمتع الكلب ويلعب بالحديقة المليئة بالمراجيح وألعاب المتاهة والسحاسيل والألعاب البلاستيكية على شكل عظام ومعهم مدربين اثنين وأربع حلاقين وطبيب يشرف على علاج المرضى من الكلاب ومشرف اجتماعي متخصص بمعرفة فيما إذا كان أحد الكلاب يعاني من كسل وخمول ومشاكل اجتماعية ونفسية فيقوم هذا المشرف على حلها بعدة طرق وكل هذه المعلومات مكتوبة على لافتة ضخمة على سور حديقة الروضة واحدى تلك الطرق التي يتبعها المشرف هي إقامة حفلة زواج له من إحدى الكلبات الموجودات في الروضة حيث يتم توزيع طعام خاص معلب مثل الجبس والفستق والبندق الخاص للكلاب مع الشراب الخاص الساخن أو البارد حسب الطلب ..... عجبي .

في أحد الأيام  وما أكثرها تلك الماطرة على صحراء الوليد حيث بدأت الخيم تذبل وبعضها ينهار وتدخل الى أعماقها من كل الجهات الأوحال والمياه ويركض اللاجئون هنا وهناك بحثا عن علبة فارغة أو تفريغ الوعاء الذي يستخدمونه لشرب الماء لكي يقومو بتفريغ الخيمة من مياه الأمطار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الفراش والملابس والمستمسكات التي أحضروها معهم حينما تم تهجيرهم من بغداد .

وتستمر عملية الإنقاذ هذه عدة أيام ، كان يوما ماطرا غزيرا ، المطر في هيوستن وتزاحمنا وقتها أمام  باب الشقة أنا وزوجتي وأولادي لنشاهد هذا الكم الهائل من قطرات المطر وكأن المحيط الأطلسي وخليج المكسيك قد تم سكبهما فوق المدينة ولمدة ما يقارب الست وأربعون ساعة استمر هذا السكب . بعدها خرجت لأتسوق بعض الحاجيات  وكانت الصدمة الكبرى !!!! أين الماء !!! أين الأوحال !!!! الشوارع كأنها مرآة قدتم صنعها توا والأشجار يصدر منها بريق غريب ولم أرى أي تجمع لمياه آسن حتى لو كان بقعة صغيرة .... فجأة وأنا بطريقي إلى السوبر ماركت أفقت على صوت إنذار سيارة الإطفاء ومن بعدها سيارة الإسعاف وأخيرا سيارة الشرطة  فقلت لابد أن حريقا قد اندلع قريبا من هنا  الله يستر ، ازداد فضولي حينما رأيت السيارات الثلاث تدخل إلى الزقاق الذي على يساري فتغيرت وجهة ساقاي إلى ذلك الزقاق وكأني عضو من أعضاء رجال المطافئ .... رأيت الناس يركضون بسرعة ويلهثون هاربين من جحيم نار قد اندلعت بإحدى الشقق هاربين باتجاه الملجأ القريب من ذلك المجمع السكني ... هذه تحمل ابنها وهذا يحمل ثلاث حقائب أحداها دبلوماسية ... وهذا ... وذاك كل منهم يحمل ما يمكن حمله من أولاد وأمتعة حيث أن شقق هذا المجمع قد تم بنائها من الأخشاب وهكذا عادت ذاكرتي إلى إحدى الحرائق التي نشبت في إحدى الخيام القابعة على تراب الصحراء الوليد وما أكثر تلك الحرائق وكان الشباب ينقض على الحريق وكأنهم النمور والأسود تنقض على فريستها ويقتحمون الخيمة المحترقة محاولين إخماد النار حتى لو بحفنة من التراب ويصرخ أحدهم هذا الخزان المملوء بالماء الصالح للشرب هيا أيها الشباب خذوه لست بحاجة إليه فإخماد الحريق أهم من الشرب....صغارا وكبارا يهجمون على النار مخاطرين بحياتهم من أجل انقاذ ما يمكن انقاذه واخماد الحريق.... عجبي .

حينما وصلت الى السوبر ماركت الواقع في الطابق الأرضي لأحدى ناطحات السحاب ورفعت رأسي لأشاهد فعلا احدى السحب تخترق الطابق التاسع والستون من أحداها ثم خفضت رأسي بعد ان انتهيت من عد الطوابق لأشاهد تلك المحلات الفارهة الضخمة المتنوعة المنتشرة بين ناطحات السحاب تبادر الى ذهني الخيام القابعة فوق التراب حينما كنت أذهب الى خيمة أحدهم حيث كان يفترش بداخلها الأنواع العديدة من لوازم بيتية والعديد من الفواكه والخضراوات حيث يتسوق اللاجئون من هذه الخيمة التي تعد بحق اجمل سوبر ماركت بكل ما تعنيه كلمة سوبر ماركت في صحراء الوليد حيث تحولت بقعة مضيئة من بقع المخيم الى مجمع تجاري متكامل    .. حلاق وحداد ومطعم فلافل ومخبز وتصليح موبايلات وخيمة لبيع وشراء المعلبات والحاجيات المستعملة ووووو.. وعجبي .

إن أكثر ما كان يلفت انتباهي وأنا أتجول في شوارع هيوستن ذلك اني وخلال إقامتي التي تجاوزت الأشهر السبعة أني لم أرى أي جندي أمريكي بتلك الشوارع حيث اننا كنا نراهم بكثرة في المخيم ومنطقة الوليد الصحراوية ... ولكن أين هم من مدينة هيوستن !!!! يبدو أنهم منتشرون فوق قارات العالم لتنصيب الحكام ومحاولاتهم اليائسة والبائسة لإذلال الشعوب .... وعجبي .

وشكرا للأخوة في هذا الموقع الرائع

 

اخوكم

خالد نواف ابو الهيجاء

ولاية تكساس الامريكية

24/4/2011

 

المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر" 

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 14

  • 0

    تسلم ايدك على هذا المقال الرائع ونتمنى الشفاء العاجل الى احمد وندعو الله ان يجمعنا في اقرب وقت والسلام للجميع

  • ولاية تكساس هيوستن

    0

    شكرا لكل من يعمل في هذا الموقع الرائع وشكرا لكل الأخوة اللذين علقو على تلك الذكريات وأدعو الباري عز وجل أن يفرجها على أهلنا في مخيم الوليد .آمين

  • ولاية تكساس هيوستن

    0

    الى الأخ العزيز ابوطارق وكل الأخوة المدرسين الأعزاء ان شاء الله لن يكون هناك أي غريب في الصحراء وستكون هذه السنة حاسمة ولم ولن ننساكم أبدا أيها الصابرون وانتم دائما في القلب لذلك لن تكونو غرباء ابدا فنحن معكم حتى وان كان بيننا كل محيطات العالم . سلامي لكل أهلنا بالمخيم المظلم المضئ بأهله.

  • / الصحراء/

    0

    السلام عليكم كيفك ابو سيف لك وحشة ياصاحب الاخلاق العالية واتذكرك دائما لان الجدارية التي عملتها لازالت معلقة على على جدار المدرسة لحد الان وكانت حول الاسير` واعلم انك تغافلت عن الجانب المظلم بالمخيم حفاظا على الذوق العام`` سلامي للعائلة الكريمة والى الاخ ابو سيرين وعائلته والى الاخ ابو ابراهيم الخديش`` وعائلته وشكرا` `

  • هيوستن

    0

    جمعنا اوراقنا واقلامنا للهروب من واقع مرير لنجد ايدينا تكتب نفس الكلمات بنفس الاوراق ونفس الاقلام ولكن في غير المكان. وتستمر الحكاية...... تسلم يا ابي الغالي على هذه المقالة الاكثر من رائعة.

  • امريكا

    0

    يا ابو سيف المخيم الوليد دكر فى قاب

  • تحياتي خالد

    0

    السلام عليكم اخي خالد سررت بقراءة موضوعك على صفحات الموقع وسرني اكثر انك لازلت تعلن حضورك الذي اعرفه عنك من قبل .. اخوك ابوفادي

  • ايطاليا

    0

    عاشت ايدك اخ خالد موضوع جميل وشيق خاصه ذكريات المخيمات مع الاخوه والاحباب انشاء الله في ميزان حسناتك

  • ايطاليا

    0

    وصف جميل جدا لقد عشنا اصعب واجمل ايام في المخيمات كان يكفينا ان نصحو ونمسو علا نغمات لهجتنا الفلسطينيه الرائعه ولاكن دعائي علا كل الحكام الخونه الذين قامو بتوصيلنا الا مانحن فيه والله حيات الخيمه اجمل من كل قصور وبيوت العالم لانها كانت تجمعنا ابئخوتنا

  • لوس انجلوس

    0

    عاشت يداك على هذا المقال الجميل والذي يذكرنا يايامنا في المخيم ستبقى هذة الايام او السنين ذكرى لا يمكن ان تمحو ابدا

  • امريكا

    0

    وصف رائع وظريف وبارك الله فيك

  • لوس انجلوس كاليفورنيا

    0

    يا ابن اخي ان تجد فرقا هائلا فبقدر ما هو طبيعي فيه العجب العجاب اما المقارنة فمستحيلة وانت تعلم لماذا .... قلتها وساقولها دائما ان نجتمع باختيارنا وان في صحراء افضل كثيرا من ان يكون كلا منا في قصر وبيننا الاف الاميال ... تحياتي لك وللعائلة

  • عجبي على عجبك يا بن الهيجاء

    0

    الأبن العزيز والصديق الغالي أبو سيف المحترم ,, على ما ذا تتعجب ياأبن الهيجاء ؟؟؟ قلت ذلك في الأسابيع الأولى على قدومي الى كاليفورنيا ,, ولكن بعدها بت لا أملك سوى أن أضيف عجبي الى عجبك ليصبحا عجبين يا أبن الأكرمين ,,, مقالك خفيف الظل ككاتبه خفيف الظل كما عرفته وطيب النفس وهاديء كنسمات الصبح ,, فأسلم يا أبا سيف ,, أبو مهند جمال أبو النسب ...

  • نيوزلندا

    0

    تسلم ابو سيف على هذه المقارنة الجميلة , بالرغم من المعاناة التي عشناها في مخيم الوليد والتي ستبقى معالمها في داخلنا فانا اعتقد بانها تحتوي بعض الامور الجميلة او المواقف الطيبة حيث كانت تجمعنا المصائب من حرائق وظروف بيئية صحراوية قاسية اغلبنا لم يشاهد في حياته مثيل لها , جزاك الله كل خير على هذه المقالة الطيبة . ندعو الله ان ينقذ اهلنا الباقيين في المخيم ويخرجهم منه باسرع وقت لتصبح سوالف كما كنت تقول دائما .

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+