بين مغول عصور الظلام ، ومغول عصور الحضارة !! بقلم حذيفة العاصي

دنيا الرأي 0

عدد القراء 2211

يقول ابن كثير – رحمه الله – ناقلاً ما فعله المغول زمن هولاكو بأهل بغداد وبقية المدن التي اجتاحتها أسرابهم الموغلة بالتوحش والهمجية والبوهيمية : " ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش ، وقنى الوسخ ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون ، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار ، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة ، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة .. وكان الرجل يستدعى من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال ، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة ، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه .. ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنها التلول ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد ، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام ، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون .. ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ، وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه ، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى . الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى" .

وهذا جزء من الجرائم التي افتعلها المغول بالمسلمين وغيرهم في المدن التي كانوا يدخلونها في بربرية وهمجية ، وفي زمن العصور الوسطى التي عرف التتار خلالها بالهمجية والبربرية ، وسقط على يدهم ملايين البشر ، في جرائم لم يشهد التاريخ لها مثيلاً سوى محاكم التفتيش التي ارتكبها الأسبان بحق المسلمين واليهود بعد أن عملوا على طردهم منها ، وإجبار من بقي منهم على ترك دينه ، أو سجنه حتى الموت ، مستخدمين أبشع أنواع التعذيب ، وأقذر الأساليب التي لم تكن تخطر ببال إبليس فضلاً .

واليوم عاد المغول من جديد وتحت بصر ونظر المنظومة الدولية ، وصناعة على عينها ، حيث أعطت تلك المنظومة الإرهابية لهؤلاء الذين صنعتهم ورعتهم سنين طويلة ، ليفعلوا ما يشاءوا دون حساب ولا رقيب ، فاسقطوا في العراق قريب المليون "شهيد" ، ثم انتقلوا إلى سوريا فاسقطوا مائة ألف "شهيد" ، وملايين المهجرين والمعتقلين والمفقودين ، ولا زال القتل والإبادة مستحرة بالشعب السوري والعراقي وبرعاية مباشرة من المنظومة الدولية .

والبارحة ارتكب هؤلاء " المغول الجدد " مجزرة مروعة بحق أهل البيضاء في بانياس ، مدينة الثورة الأولى ، والتي تعرض أهلها في بداية الثورة إلى جرائم بشعة كان أقذرها ، أن اصطفهم المغولي بشارون على بطونهم والقي بهم على الأرض ، ثم جعل شبيحته تدوسهم بإقدامها وهم يرقصون من الطرب على ما فعلوه بحق هؤلاء الصامدين الصابرين ، ويعملون على تصوير أنفسهم بكل فخر واعتزاز ، ثم عاد إليهم من جديد فدخلها يوم الخميس الثاني من أيار 2013م بعد أن أطبق عليها حصاراً محكماً ، ورجمها بصورايخه وقذائفه ودبابته ، ثم اخرج من بقي من أهلها ، من الذين لم يقضوا نحبهم تحت أنقاض بيوتهم ، واعمل فيهم حرقا وذبحاً بالسكاكين ، وقتل عوائل بأكملها ، نساءً ورجالاً وولداناً وكهولاً وشيوخاً وشباناً ، ليصل عدد من قتل من أهالي البيضاء إلى أكثر من ثلاثمائة "شهيد" ، ذهبوا إن شاء الله إلى ربهم وهم يشكون إليه ، إجرام هؤلاء المغول ومن يقف خلفهم من منظومة إرهابية آثمة ، ويسألونه وهم آخذي بيد من قتلهم : يا رب سل هؤلاء فيما قتلنا ، فيقول : لتكون العزة لفلان ، فيقول عز شأنه : أنها ليست لفلان ، فيبوء بإثمه ، وفي رواية يقول عز وجل : إنها لله .

ويبقى السؤال : أي فرق بين مغول عصور الظلام ، ومغول عصور مدعي الحضارة والرقي والتقدم ، وأي فرق كذلك بين الجرائم التي ارتكبت تحت مظلة المغول سابقا ورعايتهم ، وبين الجرائم التي ترتكب اليوم تحت رعاية أمريكا والدول الغربية !! .

 

المصدر : دنيا الرأي – صحيفة دنيا الوطن الفلسطينية بتصرف موقع فلسطينيو العراق

4/5/2013

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+