كيف استُخدمت قضية فلسطين أداة لفرقة العرب - منعم صويص

العرب اليوم الأردنية1

عدد القراء 1237

كان لتأسيس "إسرائيل" على الأرض العربية الفلسطينية عام 1948 نتيجتان كارثيتان، الأولى تمثلت بمأساة الشعب الفلسطيني وسلبه أرضه، تنفيذا لوعد بلفور، ومن قبل حركة صهيونية عاتية، لا قبل للعرب بها، مدعومة بشكل كامل من قبل الدول الغربية الاستعمارية والولايات المتحدة. والنتيجة الثانية أن قضية فلسطين، التي أثرت على الشعوب العربية، خاصة المحيطة "بإسرائيل"، بسبب الشعور "القومي" العربي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني والإيمان بعدالة قضيته، أضحت عنصر فرقة وأداة ابتزاز استعملها ويستعملها العرب، أنظمة وحكاما، ضد بعضهم بعضا، وحتى ضد جزء كبير من الشعب الفلسطيني. النتيجة الأولى تشكل جزءا هائلا من تاريخ المنطقة وقد أشبعت بحثا وتحليلا، أما النتيجة الثانية فتطورت حتى أصبحت ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ الشعوب، حوّلت الإخوة إلى أعداء يتآمرون على بعضهم. واحتار أصدقاء العرب في العالم كيف يتعاملون معهم بعد أن اكتشفوا أنهم فاقدون لأي نوع من المصداقية. وكان هناك دائما موقفان من هذه القضية، واحد فوق الطاولة والآخر تحتها.

معظم الحكام العرب استغلوا قضية فلسطين ليخدعوا شعوبهم وليثبتوا أنظمتهم، واستخدموا إعلامهم للتظاهر بأنهم حماة للشعب الفلسطيني، وانتشرت الاتهامات والاتهامات المضادة والمزايدات. ولكي يبرهن على وطنيته يخترع الحاكم أو السياسي شعارا جذابا، له علاقة بالقضية الفلسطينية، ويتأثر به الناس المتعطشون للثأر من "الإسرائيليين"، بصورة فورية. فشعار "البعث" السوري كان "التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني". أما صدام حسين فكان ينهي كل خطاباته بالشعار: "عاشت فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر". ولا حاجة للقول إن كل هذه الأنظمة مارست البطش بالشعوب، وساعدت الكيان "الإسرائيلي"، عن قصد أو غير قصد، لأن تصرفها أدى الى استمرار ومضاعفة الدعم الغربي واليهودي "لإسرائيل".

ولم يقتصر رافعو هذه الشعارات على الحكام العرب، فقد دخل على الخط "آية الله" الخميني الذي صرّح بعدائه "لإسرائيل" والولايات المتحدة. وأحدث موقفه تغييرا هائلا في موقف إيران من "إسرائيل" والقضية الفلسطينية، وجعل لإيران تأييدا واسعا بين الشعوب العربية ولدى الشعب الفلسطيني، وأعلنت إيران وسورية حافظ الأسد أنهما توصلتا إلى تحالف استراتيجي بينهما، ووقف الأسد بقوة ضد العراق في حربها مع إيران على طول الخط، ولم يحم سمعة إيران وسورية سوى شعاراتهما ضد "إسرائيل". وعندما برز "حزب الله" الشيعي في جنوب لبنان دعمته إيران بالمال والسلاح ووجد الأسد في هذا الحزب ضالته المنشودة في إدامة سخونة الجبهة مع "إسرائيل" في جنوب لبنان ومحاربة "إسرائيل بالنيابة"، وكانت هذه وسيلة للضغط على "إسرائيل" للوصول إلى اتفاق يضمن لسورية الانسحاب من الجولان من دون أن تتخلى عن وصف نفسها "قلب العروبة النابض". وعندما خرج المقاتلون الفلسطينيون من جنوب لبنان وذهبوا إلى تونس "استقل" "حزب الله" في الجنوب وحلّ محل الدولة اللبنانية في التعامل مع "إسرائيل"، من خلال دول وسيطة، وهدأت الأوضاع نسبيا في الجنوب وسحبت "إسرائيل" عام 2000 جيشها من الشريط الحدودي كتنفيذ لقرار مجلس الأمن 425. أما جبهة الجولان فبقيت اهدأ الجبهات.

وقبل عدة سنوات رفعت إيران و"حزب الله" من سقف الشعارات المتداولة ضد "إسرائيل"، فقد أعلن أحمدي نجاد أن "إسرائيل" "يجب أن تزول من الخارطة" وأن إيران ستسعى لتحقيق ذلك، وبشّر حسن نصر الله الفلسطينيين أن نهاية "إسرائيل" باتت قاب قوسين أو أدنى. ومع أن الشعوب العربية بدأت تكشف الذين يستخدمون القضية الفلسطينية كأداة ابتزاز للعرب والفلسطينيين، يستمر حسن نصر الله في الادعاء أن "حزب الله" إنما يدافع عن لبنان ضد مؤامرة امريكية "إسرائيلية"، قائلا إنه إذا سقطت سورية فستنفذ هذه المؤامرة. وقال في خطابه في 25 أيار إن سورية هي سند المقاومة ولن يسمح لهذا السند أن "يُكسر". غير أن هناك عددا من الحقائق الثابتة. أولها أن "إسرائيل" لا تخاف من لبنان أو غيرها إنما من الشعب الفلسطيني لأنه أمام العالم، المالك الشرعي لفلسطين ولأنها اغتصبت أرضه وطردته منها، ولن يستقر لها قرار طالما بقي الفلسطينيون على أرضهم، فهم كالشوكة في الحلق. "إسرائيل" لا تخطط لاحتلال لبنان، فقد احتلت في السابق شريطا في جنوب لبنان لأنها أرادت أن تبعد المقاومة الفلسطينية عن شمال فلسطين، وقد نجحت في ذلك عندما رحل المقاتلون الفلسطينيون إلى تونس. وعندما استولى "حزب الله" على الجنوب توصلت "إسرائيل" معه إلى اتفاق جنتلمان، عن طريق أطراف أوروبية، بأن لا تضرب قرى الجنوب إذا لم يضرب "حزب الله" المستعمرات "الإسرائيلية" في شمال فلسطين، وبقي الوضع هادئا لسنوات طوال، إلا في حالات محدودة حينما حاول "حزب الله" أن يحتك بقوات العدو ليستعرض عضلاته، والنتائج كانت كارثـــــــية عـــــلى لبنان، رغم أنــــــــها خدمت إيران و"حزب الله" دعائيا. وفي جميع الأحوال اضطر "حــــزب الله" أن يخضع لقرارات مجلس الأمن ويبتعد عن الحدود.

إن "إسرائيل" ليست بحاجة إلى احتلال أي جزء من لبنان، لأن ذلك لن يجلب لها أي دعم دولي، لكنها ستظل تدمر الجنوب بعد كل اشتباك مع "حزب الله" وستظل إيران تزود "حزب الله" بالأموال لتعيد ما دمرته "إسرائيل"، وسيبقى لبنان، الذي كان منارة التقدم والثقافة في العالم العربي، رهينة لابتزاز "حزب الله" وإيران وحليفهما بشار الأسد. لقد رمى "حزب الله" الفرقة بين الفلسطينيين، ودفاعه اللفظي عن القضية الفلسطينية لا يخدم الشعب الفلسطيني بل يسيء اليه لأنه يحاول أن يعلّم الفلسطينيين الوطنية ويحملهم "جميلة" بعد أن جاهدوا في سبيل وطنهم قرنا من الزمان. لقد أدت شعارات إيران و"حزب الله" إلى مضاعفة التأييد الغربي "لإسرائيل" وامدادها بالأسلحة المتطورة لكي "تقف أمام تهديدات إيران و"حزب الله"" ، ولم يحدث أي تأييد مقابل، أو تقوية، للفلسطينيين، بل استغلت "إسرائيل" هذه التهديدات لتقطيع أوصال الضفة الغربية وشجعت نتنياهو على المماطلة في تنفيذ الاتفاقات الدولية، قائلا إن الأولوية لتهديدات إيران ومحاربة برنامجها النووي. لقد كشفت المأساة السورية أهداف إيران و"حزب الله"، وهي تتلخص في سيطرة الحلف الشيعي على الهلال الخصيب، لكن للأسف لا يزال بعض العرب مخدوعين بهما، ولا تزال الشعارات الكاذبة للقضاء على "إسرائيل" تخدمهما.

لقد حقّق "حزب الله" أهدافا كثيرة في جنوب لبنان. الهدف الأول كان سيطرته على الجنوب بقوة السلاح وشل حركة الحكومة اللبنانية، وأصبح هذا الحزب، الذي مثّل شيعة الجنوب الفقراء، دولة داخل دولة والآمر الناهي في لبنان. والهدف الثاني أن "حزب الله" حقّق أهداف إيران وجعل منها لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط، ونحن نرى هذا الآن في سورية. ولا شك أن زيارة وليد المعلم لبغداد كانت بأمر من إيران. فقد نسي النظام السوري أن المالكي وبقية حكام العراق "دخلوا بغداد على ظهور الدبابات الأمريكية" ونسي المالكي أنه اتهم النظام السوري بإرسال الانتحاريين ليقوّضوا الاستقرار في العراق وأنه دعا الى محاكمة الحكام السوريين أمام محكمة الجرائم الدولية.

لقد أعلن نصر الله بوضوح أنه سيدافع عن نظام الأسد حتى النصر، وهذا يعني أن سورية ستصبح جزءا من الحلف الشيعي، ومعنى هذا أن "الإرهابيين" من جميع أنحاء العالم الإسلامي سيتدفقون لمحاربة هذا الحلف حتى يتم تدمير سورية ولبنان، ناهيك عن حتمية تدخل "إسرائيل" باستمرار للمساهمة في هذا التدمير بحجة خوفها من الجهاديين والقاعدة، طبعا بتأييد كامل من أوروبا والولايات المتحدة.

وبما أنه يمثل طائفة بعينها، فقد وسّع نصر الله نطاق الحرب الأهلية في سورية، ولا يستطيع أن يتراجع الآن، وبتهديداته يوم 25 أيار أصبح جزءا فاعلا من قوات النظام السوري، وها هي المنطقة تقترب من حرب دينية لا تبقي ولا تذر، وبدل أن يوجه نصر الله صواريخه إلى "إسرائيل" أصبح يعتقد أن الطريق إلى القدس تمر من سورية المدمرة.

munim1944@gmail.com

 

المصدر : جريدة العرب اليوم الأردنية

1/6/2013

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 1

  • كل احترام . تحليل رائع وحصري . لقد استغلت القضية الفلسطينية لتعميق الفرقة والخصام بين الاشقاء العرب . لا بد من الاعلام المضاد للاحلاف التي تعمل على تدمير الواقع العربي والفلسطيني .

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+