لماذا علينا أن نتدخل في الشؤون الداخلية العربية ؟ - بقلم : طلال عوكل

الأيام الفلسطينية0

عدد القراء 1822

إذا كان الاضطراب الكبير، الذي يجتاح المنطقة العربية، يتخذ في أسبابه وتداعياته طابعاً تاريخياً واستراتيجياً، فإن الشعب الفلسطيني باعتباره جزءا من الأمة العربية، ومكونا أساسيا من مكوناتها الجيوسياسية، لا يمكن أن يظل خارج هذا الاضطراب أو خارج سياقات عملية التغيير، التي تتصارع فيها وعليها عوامل داخلية وخارجية ذات فعالية عالية.

وبدون أن نستبق النتائج، ذلك أن الآفاق مفتوحة على كل الاحتمالات، فإن المؤشرات النظرية والعملية، تؤكد أن هذا الاضطراب لا يزال في بداياته، وان اغلبية الدول العربية، لن تنجو من دائرته أو تداعياته، خصوصاً وأن الجاري في المنطقة يواكبه عمليات تغيير دولية تتصل بنظام عالمي جديد يتشكل، وانزياحات تاريخية في مراكز القوة والتأثير، وتحالفات جديدة مبنية على المصالح.

الشعب الفلسطيني له خصوصية، بما أنه يخوض معركة تحرر وطني، وصراع وجودي مع احتلال ذي سمات متفردة، ولكن لأن قضيته هي قضية "الأمة العربية" الأولى والمركزية، ولأن نصفه على الأقل، يعيش وسط مجتمعات عربية دخلت او انها مرشحة لدخول دائرة الاضطرابات الكبرى، فإن شعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية، يحتاج إلى نقاش وإعادة نظر، بالاتجاه الذي يؤكد حيوية التفاعل بين الشعب الفلسطيني وأمته العربية، إذا كان هذا الشعار وهذا السلوك الذي يحاول أن ينزه القضية الفلسطينية وشعبها عن الصراعات الداخلية في المجتمعات العربية، فإن هذا الموقف لم ينجح في حماية اللاجئين الفلسطينيين ومخيماتهم في سورية، ولا يحمي اللاجئين ومخيماتهم في لبنان، ولا في أي مكان آخر. قبل الجاري في سورية، كان اللاجئون الفلسطينيون في العراق، قد تعرضوا للقتل والتهجير، وفقدان الممتلكات والأمل، وها أغلبهم يعانون في مهاجرهم أو تعرضوا لعمليات هجرة قسرية أخرى، وفي ليبيا أيضاً لم يسلم الفلسطينيون رغم قلة عددهم، ولن يسلم اللاجئون في الأردن، إذا دخل مربع الاضطراب الكبير. إذا كانت السياسة الفلسطينية تعاني جراء ما نسب للقيادة الفلسطينية من موقف داعم للعراق حين اجتاح جيشه الكويت، فإن هذه سابقة لا يقاس عليها بالضرورة، فالجاري في المنطقة بأسبابه وأبعاده يختلف اختلافاً جذرياً عما وقع بين العراق والكويت منذ عام 1990.

كما أن إعادة النظر في شعار وسلوك عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي، لا يعني بالمقابل، ممارسة التدخل على نحو مفتوح بدون شروط وقيود، واينما وكلما كان ذلك ممكناً، فالفارق الكبير بين سياسة إيجابية تتوخى مصلحة القضية الفلسطينية وشعبها، ومصالح أطراف معينة في الصراع الجاري. وفي كل الأحوال نتساءل لماذا علينا كفلسطينيين أن نتعامل مع التدخلات العربية، التي لا تتوقف في الشؤون الداخلية الفلسطينية، ونمتنع عن أن نفعل الشيء ذاته عند الضرورة ووفق ضوابط معينة؟.

وحتى لا يفسر الكلام على غير ما يعني، فإنني أعتقد أن التدخل بأي شكل من الأشكال، في الشأن الداخلي المصري، ينطوي على سلوك وسياسة لا تخدم القضية الفلسطينية وشعبها، ولذلك فإن تأكيد كل القوى الفلسطينية على عدم التدخل في الشأن الداخلي المصري، هو موقف صحيح، وسليم، ولكن هذه سابقة من موضع مختلف للقياس أيضاً، بما يعني ضرورة التدقيق قبل اتخاذ القرار بشأن حالات مختلفة. المشكلة لدينا هي في أن الانقسام الفلسطيني يمنع من اتخاذ سياسات وقرارات ومواقف موحدة وملزمة في كل الحالات. ولكن ألا يبدو غريباً أن يكون شعب الثورة، المكافح من أجل تحرره الوطني خارج دائرة الفعل في منطقته التي تمور بالحراك الذي يستهدف التغيير؟.

إن شعار عدم التدخل في شؤون الدول العربية في هذه المرحلة تحديداً يجعلنا أمام سياسة سلبية، وانتظارية، تخرجنا من دائرة الفعل الذي يتصل بكل الأحوال بمستقبل القضية والصراع، ويحيل النظام السياسي بكل مكوناته إلى جزء من النظام العربي الرسمي العاجز عن الانتصار للقضية الفلسطينية، والذي تتدخل بعض مكوناته في غير صالح القضية الفلسطينية.

من الواضح أن الشعب الفلسطيني بكل تعبيراته السياسية الرسمية وغير الرسمية، يعاني من أزمات كبيرة، تجد تعبيراتها في كل مكان، حتى أصبح ظهره على الحائط، وكما الفقراء، لا شيء يخسره في كل الحالات بعد كل ما خسره ويخسره بسبب السياسات والأطماع الاحتلالية. وفي الواقع فإن المعطيات الملموسة في الضفة الغربية، تشير إلى أن الأوضاع على حافة الانفجار، وقد توفرت لاندلاع انتفاضة شعبية، كل العوامل والأسباب الضرورية باستثناء عنصر الوحدة الوطنية، التي لا يبدو أن تحقيقها قريب المنال. نعلم بأن الكل الفلسطيني بما في ذلك المفاوض نفسه، متشائم إزاء إمكانية تحقيق أي اتفاق "سلام" من خلال المفاوضات الجارية وأن هذه المفاوضات هدفها نزع الذرائع، وتهيئة الأوضاع، للانتقال بالملفات الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، مع أعلى مستوى ممكن من التفهم الدولي للسلوك الفلسطيني، ونعلم أن الرئيس محمود عباس، ملتزم بالمضي قدماً في هذه المفاوضات حتى نهاية الأشهر التسعة التي تم الاتفاق عليها، ولكن من قال إن الأوضاع ستظل مستقرة في الضفة حتى نهاية المهلة الممنوحة للمفاوضات؟ يعتقد "الإسرائيليون" وآخرهم أفيغدور ليبرمان، تماماً كما قال قبله، بنيامين نتنياهو، أن "السلام" الاقتصادي، بمعنى تحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية للناس في الضفة الغربية، هو الحل الأمثل، ومثلهما على الأرجح وزير الخارجية الأميركي جون كيري، رغم مجاملته للفلسطينيين بربط رزمة مشاريعه الاقتصادية بالسياسة. العجوز بيريس كان قد سبق الكل عندما قال إن العدو الجائع هو عدو خطر، وهنا يراهن "الإسرائيليون" على إمكانية ضمان رشوة عدد أوسع من الفلسطينيين بما يضمن استمرارهم في تحقيق أطماعهم.

الضفة على فوهة بارود، فالاحتجاجات الشعبية تتزايد، وليس في القدس وحدها، واعتداءات المستوطنين تتسع، وتسعة شهداء خلال أسابيع قليلة، واتجاهات حقيقية لدى العديد من الفصائل المعارضة للمفاوضات من أجل فتح الصراع، واستعجال الدخول في مربع الاشتباك مع المخططات والوجود "الإسرائيلي" والاستيطاني. ومنطقياً نرى بأن استمرار الصراخ الفلسطيني لنجدة القدس والمسجد الأقصى، والمقدسات، لا يمكن أن ينتج حراكاً ما لم يبدأ الحراك من الفلسطينيين أنفسهم، وحينها سنرحب بأي تدخل عربي إيجابي.

 

المصدر : صحيفة الأيام الفلسطينية

24/10/2013

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+