الكاتب المصري في صحيفة الاهرام المصرية د. قدري حفني : حماس على حدودنا .. لنتبين حجم الخطر الذي كاد أن يفصل سيناء تماما عن الدولة المصرية

الأهرام 0

عدد القراء 3487

د. قدري حفني

تحدثنا طويلا عن الخطر "الإسرائيلي"‏,‏ و عن التهديد الاستراتيجي الذي تمثله "إسرائيل" على أمننا القومي‏,‏ وأدان الكثيرون منا معاهدة كامب دافيد وما فرضته علينا من تحجيم لوجودنا العسكري في سيناء‏, واجتهد الكثيرون من خبرائنا العسكريين في محاولة توضيح أن الدفاع عن سيناء في حالة هجوم "إسرائيلي" مسلح لا يقتضي بالضرورة وجود قوة عسكرية كثيفة تقف علي الحدود مباشرة, بل لعله يقتضي العكس, وأن مثل هذا الهجوم لو حدث فإنه يعني بطبيعة الحال نهاية الالتزام بالمعاهدة وإطلاق يدنا في الرد. وقد كنت خلال استماعي لتلك المناقشات ونظرا لعدم تأهيلي فنيا في المجالات العسكرية أعتمد على ثقتي في المتحدثين ومنطقية ما يسوقونه من حجج, وترسخت ثقتي تلك عبر ما يقرب من ثلاثين عاما لم يقدم فيها الجيش "الإسرائيلي" على اقتحام حدودنا.

وكنت بطبيعة الحال أعرف أن فكرة الترانسفير أي ترحيل الفلسطينيين إلي سيناء فكرة قديمة متجددة راودت وتراود العديد من صناع القرار في "إسرائيل", وكان التصور السائد لتنفيذ هذه الفكرة هو الترحيل القسري بشكله التقليدي المعروف الذي شهدناه عام 1948 حين دفعت "إسرائيل" مئات الألوف من الفلسطينيين نحو البلدان العربية المحيطة, وبالتالي كنت- وما زلت- أدرج مواجهة مثل ذلك الاحتمال لو حدث ضمن مواجهة أشمل مع "إسرائيل".

كان التصور الغالب لدينا أننا والفلسطينيون في زورق واحد, وبلغ اليقين بتلك الفكرة حد اعتبار الوقوف إلى جانب الفلسطينيين معيارا لمدى الالتزام بالوطنية المصرية الحقة; ولم يكن متصورا أن يأتي اليوم الذي نكاد أن نرى أنفسنا في زورق وفريقا من الفلسطينيين في زورق آخر; بل في خندق آخر. لم يكن واردا أن يأتي اليوم الذي تكون فيه المطالبة بالضغط على "إسرائيل" لتعديل بنود معاهدة كامب دافيد لتتمكن قواتنا المسلحة من مواجهة الإرهابيين في سيناء الذين يتدثرون برداء إسلامي حمساوي والذين لم يوجهوا طلقة واحدة خلال وجودهم إلا إلي صدور أبناء الجيش المصري.

لقد أصبح لزاما على أمثالنا ممن ما زال حب فلسطين يملأ قلوبهم أن يعملوا عقولهم مهما كلفهم ذلك من جهد لكي يستمروا في التمسك بعدد من الحقائق تفرضها الجغرافيا قبل التاريخ, ويقتضيها المنطق قبل الانفعال:

لقد انقسمت الدولة الفلسطينية المأمولة قبل قيامها إلي كيانين متمايزين جغرافيا وفكريا وسياسيا: على حدودنا تقف غزة تحت قيادة حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين, وعلى حدود الأردن تقف الضفة تحت قيادة السلطة الفلسطينية ممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية; وكلا الفريقين ما زالا تحت سيطرة الاحتلال "الإسرائيلي".

وانتعشت العلاقات المصرية الحمساوية بتولي جماعة الإخوان المسلمين مقاليد الأمور في مصر, لكن الأمر لم يدم طويلا; فقد تم عزل الدكتور محمد مرسي عن سدة الحكم في مصر. ولم يكن ذلك بحال شأنا مصريا خالصا بالنسبة لسلطة حماس في غزة; فلم يكن الدكتور مرسي مجرد صديق أو حليف أو متعاطف مع حماس فأولئك كثر; بل إنه وقادة حماس ينتمون لنفس التنظيم الفكري العقائدي الإخواني. ولعلنا جميعا ما زلنا نذكر ذلك الابتهاج الحمساوي غير المسبوق بفوز الدكتور مرسي في الانتخابات المصرية.كان من الطبيعي أن تتعاطف حماس وتتضامن مع التنظيم الإخواني الأم; وكان من المنطقي كذلك أن تتصاعد نبرة الغضب الجماهيري المصري من مواقف حماس خاصة بعد إثارة الإعلام المصري لشبهات تتعلق بضلوع حماس في عمليات إرهابية داخل حدود مصر, فضلا عما تردد عن اتفاق مصري "إسرائيلي" حمساوي وشيك لمنح حماس شريحة من أرض سيناء. قد تكون تلك الإثارة الإعلامية مشوبة بقدر من المبالغة بل وحتي سوء القصد, و لكنها تركت تأثيرا سلبيا امتد أحيانا إلى الاتجاه نحو الفلسطينيين دون تمييز وهو ما سبق أن أشرنا لخطورته.

وفي هذا المناخ لجأت حماس إلي المبالغة في تنصلها من التدخل في الشأن المصري وتعاملها مع ما يجري باعتباره أمرا يخص المصريين وحدهم وأن ما يثار من أقاويل بشأن التدخل أو حتى التعاطف مع الإخوان في مصر محض أكاذيب تديرها حركة فتح. وحاولت حماس أخيرا تدعيم قولها بنشر عدد من الوثائق المنسوبة إلى خلية فتحاوية بالسفارة الفلسطينية بالقاهرة.

وبصرف النظر عن صدق أو تزييف تلك الوثائق; وبصرف النظر أيضا عن سعي حماس غير المبرر لإثبات حياديتها حيال ما يجري في مصر; فالأمر الواضح لكل ذي عينين أن قنوات حماس التلفزيونية قد خصصت ساعات بثها على مدى اليوم لنقل ما يجري في مقار اعتصام الإخوان بمصر; وما يجري في غزة من مظاهرات صاخبة تدين ما يجري في مصر.

ورغم أن انحياز بل انتماء حماس للإخوان أمر لا سبيل لإنكاره أو حتي التنكر له; فإن استحالة الفصل بين الانتماء الوطني, و الالتزام العقائدي الإخواني, هو لب المشكلة سواء في مصر أو في فلسطين.

و لعل ما يجري من عمليات عسكرية في سيناء حاليا يستحق منا وقفة متأنية لنتبين حجم الخطر الذي كاد أن يفصل سيناء تماما عن الدولة المصرية. و لعل للحديث بقية .

 

المصدر : صحيفة الأهرام المصرية

30/12/2013

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+